عفيف الدين التلمساني
72
شرح مواقف النفري
قوله : ( وقال لي : للوقفة مطلع على كل علم وليس عليها مطلع لعلم ) . قلت : معناه أن للواقف ذوقا كليّا يحصل للواقف فينفتح به كل علم ، وليس لعلم من العلوم ذوق من ظفر به ينفتح له به معنى الوقفة ، وما ذاك إلا لأنها أحدية الجمع ، وهذا الجمع الذي هي أحديته لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، وهو الكتاب المشار إليه في الآية ، ولولا الإطالة لشرحت كيف ذلك . قوله : ( وقال لي : من لم يقف بي أوقفه كل شيء دوني ) . قلت : معناه من لم يشهد أحدية الجمع ، وهو ما به يتحد كان عرضة لما به يفترق ، وجانب الحق تعالى هو القيومية الوحدانية وهي واحدة للجميع ، فإذا لم يلحظها في العلوم كانت العلوم شواغل ، وكونها شواغل هو المقصود بقوله : « أوقفه كل شيء دوني » والحق إنه ليس كونها شواغل فحسب هو الذي يوقفه بل وزيادة أنها هي السوى المشار إليه أنه حجاب ، وذلك أن الموجودات بأسرها وحدانيتها للحق تعالى وجانب كثرتها وهو ما به يتمايز هو للسوى ، والذي به يتمايز هي أعراض إذا حققت وجدت عدمية ، قال [ حجّة الإسلام ] الغزالي رضي اللّه عنه في كتاب « مشكاة الأنوار » ما معناه أن قوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : الآية 88 ] معناه أن ذلك دائم وأن الهلاك المشار إليه هو العدم ، ولوح تلويحا يفهم أن الهلاك المعدوم دائما هو ما به تتمايز الأشياء ، وأنها نسب عدمية ، وهذه المسألة من عرفها قطع مراتب الخلق واتصل بالخلاق الحق ، ولسنا نجد شيئا تشترك فيه الموجودات إلا الوجود والوجود جوهر واحد في الخارج . قوله : ( وقال لي : الواقف يرى الأواخر فلا تحكم عليه الأوائل ) . قلت : هذا التنزل فيه سر مترتب على التنزل الذي قبله وهو أن الامتيازات التي يراها هذا العبد المشاهد سوف تنحل ويرجع مركبها إلى بسيطه فيفنى منها قسط الخلق ويبقى قسط الحق تعالى ويشهد حقيقة أن ذلك كذلك في كل موجود أزلا وأبدا ، فإذا رأى أواخر الأشياء كذلك لم ير مع قسط الحق تعالى غيره ، فهو إذن يرى أواخر الأشياء عند رؤية أوائلها ، فلا تحكم الأوائل عليه ، والأوائل المذكورة